Monday, November 29, 2010

عودة جديدة للتدّوين ولا أعلم إن كانت حميدة أم لا هي عودة غير مرغوب فيها ...

ولكن وبما انها مدّونتي الخاصة "ملكي" يعني !! فالعودة بالنسبة لي "حميدة" و"سعيدة" عليا وعليكم كمان

قصة طويلة استحملوني فيها غيبة كبيرة لازم لها عودة طويلة زي ما بتقول الأمثال ...


النيران تأكل كل شيء

- والله أنا مش عارف إحنا مستنين القطر ليه ؟... ما تيجي يبني نركب ميكروباص , أنت مش شايف الزحمة دي .

- يا عم الزحمة دي أهون خمسين مرة من حوادث الميكروباصات ولا أنت ناسي محمد أبن عمك إلي مات رمضان إلي فات لما أنقلب بيه الميكروباص .

- خلاص مع أنه قلبي مش مطمن .

- طمن قلبك دي حتى الأعمار على الله .

شابين من الصعيد قدما إلى القاهرة للعمل , بعدما فشلا في إيجاد فرصة , لديهم من الشهادات الكثير , ولكن في زمن أصبحت فيه الشهادة لتزين الحوائط فقط , عملا في محل للملابس الجاهزة ورضيا بذلك , وها هما يعودان لبلادهم لتقضية بعض أيام من شهر رمضان .

يوجد على رصيف محطة رمسيس الكثير من هؤلاء فهناك يقف هذا الرجل الذي يعمل بواب بأحد العمارات الضخمة بمدينة نصر وزوجته التي تقف بجواره , وهناك هؤلاء الشباب الذين يلعبون الآن على رصيف المحطة وهم يتضاحكون بأصوات عالية جعلت منهم نجوماً على رصيف القطار , وهناك الكثير والكثير من الشخصيات الذين تفرقوا في أشياء كثيرة ولكنهم اجتمعوا في شيئاً واحداً ألا وهو الفقر .

ها هو الآن قادم , نعم أرآه الآن بدأ في الظهور تدريجياً حتى أصبح هو البطل الآن وأخذ مكانه الذي يستحقه في الكادر , بدا للناظر الآن داخل المشهد كما لو كان كائناً عملاقاً قادماً من الجحيم , وها هم كل من كان علي الرصيف يتأهبون الآن لدخول معركة حامية , بل هي معركة العمر كله .

***

- أستعد يبني القطر جاي أهوه ياللا استعد , أول ما يجي أمسك أنت الشنط وانا هاتشعبط واحجز لك , بس حاسب ع الشنط لتتسرق .

الفرق ما بين الرصيف قبل دخول القطار وبعد دخوله إلي الرصيف وركوب كل هؤلاء الركاب إليه كالفرق بين إستاد القاهرة قبل مباراة كرة قدم بين الأهلي والزمالك وبعدها , الرصيف الآن خالي من الركاب ولا يوجد به سوى بعض الأفراد منتظرين القطار القادم , وبعض الركاب الذين لم يسعهم الوقت والمجهود لركوب هذا القطار.

- والله حرام عليك , أعمل فيك إيه , أنا مزنوقة ومش عارفه أتحرك والناس وحوش , القطر يخنق وكل الشبابيك والأبواب مقفولة , أنا حاسة إني معتقلة هنا , مش مسافرة .

- أنا والله معرفش أنه هايكون بالزحمة دي , ومش عارف ليه هما مقفلين الشبابيك والأبواب كده .

لقد تحرك القطار , ألا تسمعون صوت محركاته القوية , ألم ترونه وهو يقتحم القرى والمدن ويضرب الحصى من تحت قضبانه دون رحمة أو شفقة , هذا من خارجه , أما من داخله فلا تستطيع أن تتخيل تلك الزحام الغفيرة داخل العربات , ألوف من البشر تلاحموا وتزاحموا كما لو كانوا قطعاً من السردين داخل علبة معدنية , الأبواب جميعها مغلقة والشبابيك مغلقة والعربات لا يوجد بها أنوار , لا تستطيع أن تعلم من نائم ومن واقف ومن جالس , بحراً من البشر لا تحصى له رقم معين .

***

- أتفرجوا يا عالم على البلد المحترمة إللي بتحترم ولادها .. أهو أكننا محبوسين جوا علبة كبريت .. والله البلد دي مش هتتعدل ولا هتقوملها قومة .. خلاص ماتت وريحتها فاحت في الدنيا.

هو واحد من هؤلاء ومن معه مجموعة من طلبة جامعة الأزهر قادمين جميعهم من جامعتهم في أجازة رمضانية , فهذا الشاب يدرس في كلية الطب , وهذا في الهندسة , وهذا في كلية الشريعة والقانون , جمعهم التعليم منذ أن كانوا في مراحلهم الأولى ولكنهم تفرقوا في المرحلة الجامعية ليجمعهم القطار مرة أخرى .

- يعني مش حرام العيشة الوسخة دي .. فين الآدمية .. الناس دي مش عارفين أنه موسم وكانوا زودوا المواصلات شوية .. دي نسبة الأوكسجين زمانها راحت وربنا يدي الواحد شوية نفس لغاية ما يروح البلد .

قالها أحدهم , وهو رغم تفوقه والذي جعله الأول دائماً بين أقرانه بل وعلى مستوى الجمهورية بأثرها , إلا كان من أكثر النشطين خلال دراسته الثانوية , وكان المعتقل دائماً في نهاية كل نشاطٍ له , ولم يفرح كثيراً بعد وصوله لكلية الطب , كان يقول دائماً لأصدقائه :

- ما سيفيد الطب بلد ماتت من زمان !!

هكذا هو , وهكذا هي آراءه , يجاوره صديقيه , واللذان رغم تفوقهما ووجود أحدهم في كلية تدّرس القانون إلا أنهما كانا يخافان من السياسة , وكانت الصدفة هي من جمعتهما بصديق "الطب" لأنهم كانت لديهم أوامر بالابتعاد عنه تحقيقاً للمثل القائل "الباب أللي يجيلك منه الريح .. سدّه واستريح" هكذا كانت آخر توصيات الأهل قبل سفرهما , لذلك فلم يعلقا على ما قاله صديقهما وكان خوفهم مما قاله صديق الـ "الطب" يزداد كلما وجدا أحد الراكبين يجاري صديقهم في الحديث حتى أنهما لم يجدا إلا الانسحاب من جوار صديقهم وسط تلك الزحام , اعتذرا واحداً تلو الآخر الأول شعر برغبة مفاجأة في دخول الحمام والثاني ذهب للبحث عنه , وظل هو يتحدث مع من حوله لدرجة أنه لم يلاحظ غياب الرفقاء بعدما وجد من يزيد من السخط والغضب على أحوال البلاد , دقائق مرت وتبعتها دقائق وهو يتحدث والحديث أرتفع وارتفع حتى لم يجد ما يضيفه بعدها سكت هو وسكت من حوله وظل يستمع إلى صوت الباعة والناس من حوله التي اندمجت مع صوت القطار وجعلته يشعر بأنه داخل فيلماً كبيراً يقوم هو بدوره الصغير الذي لم يؤثر في أحداث الفيلم , أراحه ذلك الشعور كثيراً , وحاول أن ينسى ولو لدقائق ما يعانيه.

***

لو رأيت محصل التذاكر وهو يعبر بين ممرات العربات لقلت عليه فارس من فرسان القرون الوسطي , يحاول المحصل أن يعبر بين هؤلاء النائمين في ممرات القطار , يضغط بقدمه فوق يد هذا وبقدمه الأخرى تجده يضغط على قدم آخر , لا ترى من المحصل سوى تلك البطارية الصغيرة التي يضعها دائماً بين أسنانه , ولا تسمع له صوت إلا عندما لا يدفع أحدهم ثمن التذكرة عندها تجد هذا المحصل وبأعلى صوتاً لديه يقول :

- عاوز تسافر بالوشي يا روح أمك , ولا فاكرنا هانوصلك لبيتك من غير فلوس , هات يبني التذكرة ومتغلبنيش الدنيا صيام وماتتعبنيش معاك .

القطار يسير بسرعة كبيرة , وكل من فيه يدعون من الله أن يعودون بسلامة الله إلي منازلهم , معظم من يركب هذا القطار ذاهب إلي منزله بعد رحلة من العذاب في شوارع القاهرة , الجميع يدعون الله للعودة سالمين لديار الأهل محملين بالكثير من المال الذي تمتلئ به جيوبهم وبعض حقائبهم المرصوصة على أرفف العربات الموجودين فيها , الكثير يخشاهم ولذلك تجدهم يخبئون فلوسهم في أضيق جيوب البنطلونات , أو يقسمون الفلوس على عدة جيوب كنوع من الحرص , أو حتى يخبئونها في الجوارب , جميعها طرق لحماية ما يحملونه وتعتمد عليه الكثير من عائلاتهم , لأنهم يعلمون جيداً بوجودهم , ويخشونهم ويحذرون منهم جداً , لأنهم في النهاية يشبهونهم , ولا تستطيع في هذا الزحام أن تفرق بينهم وبين هؤلاء , وهؤلاء كان هذا الشاب النحيف بينهم , ومعه ومعهم سيكون التالي بيننا .

***

هم بين الركاب , لا تستطيع أن تفرقهم عن الركاب في شيء , ملابسهم رغم فقرها , تشبه ملابس الركاب , لم يتجهوا للشحاذة كغيرهم , ولكنهم كانوا يطمحون إلى الرزق السريع , يعلمون جيداً أن القطار في هذا الموعد من العام ممتلئ عن آخره بالعائدين , ودائماً العائد ووقت وجود المواسم يكون محملاً بالأموال , وهذا الموسم , هو موسم المواسم , فقد تجمع رمضان ومن بعده العيد وتأتي بعدهما المدارس , هم يعلمون ذلك جيداً , بل وينتظرونه من العام للعام , مهنتهم السرقة , ولا يعرفون غيرها مهنة , لا يعلمون شيئاً عن , أخلاق , أو حرام , أو جنة , أو نار , حياتهم مقسمة بين الشارع والقطار , الشارع بالنسبة لهم هو الحياة الكبرى , ففيه يتعلمون , ويأكلون , وينامون , وفيه تمت أول سرقة لهم , أما القطار فهو لصفوتهم , وأكثرهم خبرة , لأن القطار بالنسبة لهم الخطأ فيه "صفر" , تفرقوا في القطار كالناموش في حقل أخضر حول الركاب .

وكان من بينهم هذا النحيف الذي كان مثلهم ولد بالشارع وما يسمعه مما يشاركونه نومته في الشارع أو القطار بأن أمه كانت فتاة تأخر عقلها قليلاً وتوقف عند مرحلة الطفولة ولكن جسدها لم يرضى بهذا التوقف وظل ينمو حتى أصبحت الأنوثة تصرخ بها , كانت تبيع المناديل واختفت شهراً , وعادت ولم يسألها أحد أين اختفيت , ولكن عندما بدأت بطنها تعلو وبدأت معالم الجسد تتغير سألوها عندها :

- مين اللي عمل العملة الوسخة دي معاكي ؟ ..

عندها أجابت ببراءة ودون أن تشعر بالحزن أو الغضب حتى :

- مش عارفة دا واحد أخدني بعربيته .. وروحنا البيت .. وكان بيجبلي أكل ولعب كتير .. وكان في الليل بيحميني وينيمني معاه على السرير .. وكان بيخليني ألعب معاه لعبة حلوة قوى .. بس في الآخر جابني بالعربية هنا وسابني في الشارع تاني .

قالت كلماتها تلك , ولم يعلق الكثير منهم , وتركوها لتكمل حياتها , رغم وجودهم في الشارع ووجود الكثير من الشباب الذين كانت شهواتهم تعصف بهم إلا أن تلك الفتاة لم يقترب منها أحدهم وكانوا يعتبروها شيئاً طاهر لا يقربوه , أيام وتلتها عدة أشهر وأعلن طفلها عن نزوله إلي الحياة وإلي الشارع الذي منه أتت أمه ولكن يوم ميلاده كان يوم وفاة الأم التي تكفل بدفنها إمام أحد المساجد , وبدأ الطفل حياته بالشارع ولم يُعرف له أب إلى أن أصبح شابً عاش في الشارع , وكبر وتنقل في الكثير من الحرف , فمن الشحاذة إلى بيع الفل في الطرق , إلى بائع سريح داخل أحد القطارات ومن تعرف على الأسطى "حمو" وأصبح حمو الحارث الخاص لطموح ذلك الشاب فدربه وأتقن تربيته حتى أصبح أشهر سارقي القطار وأصبحت "إيده تتلف في حرير" كما كان يقول عنه دائماً , وها قد وجد أخيراً في القطار صيده الثمين فتلك الفتاة يبدو عليها جيداً بأنها غريبة عن ركاب القطار , ملابسها , ونظرتها التي تمتلئ بالخوف والتي لاحظها منذ بداية الرحلة , اخترق رفيقها القطار ممسكاً بالشنط بيده وبيده الأخرى كانت ملتفة بفتاته , وقف جوارها , وانتظر اللحظة الحاسمة لاقتناص الفرصة التي انتظرها كثيراً , واعتبرها منحة من الله خلال شهر رمضان , لقد دعا الله جيداً عند الفطار بالأمس , كان دعاؤه , ورجائه من الله , بأن يجد صيداً ثميناً وبعدها ستكون تلك الرحلة هي رحلته الأخيرة كلص , ويتوب لله بعدها ويكون عبداً صالحاً , لقد توضأ وصلى لأول مرة في حياته , نعم ولد في الشارع , ونعم لم يرى في حياته يوماً سعيداً , وكانت حياته كلها بين أرصفة القطارات والشوارع , ولكن قال له الشيخ أن نور الإيمان سيجعله يتخلص من تلك الأحلام المزعجة التي أنسته النوم لليال متعددة , وقف , وراقب , وانتظر , وكأي صياد شاطر , كانت يرتقب اللحظة المناسبة لاقتناص فرصته الأخيرة للنجاة والتوبة والتمتع بنور الإيمان .

***

"لكل مجتهدٍ نصيب" كانت حكمته طوال حياته , بدأ حياته من الصفر كما يقولون , ترك الصعيد بكل ما فيه وانتقل للعيش مع خاله العامل في أحد مصانع الغزل والنسيج بمدينة 6 أكتوبر , كان صغيراً , ولكن كانت حكمته تدوي في رأسه كل ليلة , سأل خاله يوماً :

- خالي عاوز أشتغل معاك .

تحير الرجل , وسأله عن التعليم , وعن تفوقه في التعليم , وعن أمه التي تنتظر تفوقه في مدارس "مصر" كما يقولون , ولكن الشاب كان لحوحاً في طلبه , والخال وجدها فرصة لكي يساعده في المعيشة , وهكذا تمت الصفقة بين الخال وأبن الأخت .

بدأ العمل طفلاً , كان يقوم بكنس المصنع وتنظيفه , كان يعلم أن عمله هو خطوة في بداية نجاحه , كانت نظراته لكل ما يحدث أمامه ليست نظرات عامل صغير ولكن نظرات طفل يريد أن يكون "أسطى" ظل في عمله لشهور قليلة حتى لاحظه أحد أكبر الأسطوات بالمصنع , وقرر أن يكون الطفل صبياً له , وخلال عدة أعوام أصبح الطفل أحد أشهر الأسطوات بالمصنع , ولكن "هل هذا يكفي ؟ " هكذا كان يسأل نفسه كل ليلة , وكانت دائماً تجيبه بـ " لكل مجتهدٍ نصيب" وكان التعليم هو الخطوة القادمة من حياته , بدأ تعليمه من جديد , كان يعلم جيداً كيف يصل لما يريد , أنهى تعليمه الثانوي بتفوق , ورغم تفوقه لم يدخل إلا كلية "التجارة" التي أنهاها بتفوق أيضاً , وكانت الحفلة التي أقامها أصدقائه من العمال بمناسبة نجاحه والتي وصل صداها للإدارة , وجعلت من المدير العام أن يؤمر بترقيته واعتزاله العمل ما بين ماكينات الغزل وانتقاله للعمل في قسم المحاسبات بالمصنع وسط فرحة كبيرة من الخال والعائلة في "مصر" والصعيد .

ترقيته في عمله الجديد جاءت سريعة وملفته للنظر , حتى أنه خلال سنة من استلامه لعمله الجديد أصبح مديراً للقسم , وخلال عدة أعوام أخرى أصبح مديراً لقسم الحسابات للمصنع , لينتقل بعدها للعمل في مقر الشركة ويترك وإلى الأبد بيت خاله لينتقل في شقة صغيرة بوسط القاهرة التي طالما حلم بها , كما كانت سيارته الصغيرة الأنيقة مسار إعجاب أبناء خاله اللذين طالما أخذهم في التمشية بها وسط المدينة ومنطقة المهندسين الراقية والتي أصبح أحد زبائن إحدى الكافيهات هناك , ولكن كيف لهذا الطموح أن يهدأ , لقد وصل لكل ما يتمناه ومازال يردد "لكل مجتهدٍ نصيب" .

وكانت هي المرحلة القادمة , ليس للطمع "ما عازا لله" كما كان يردد داخل نفسه دائماً ولكن لاجتهاده ووصوله لقمة الشركة خلال سنوات قلائل من بداية عمله فيها ولكن السؤال كيف لفتاة مثلها أن تحبه , وهل يصلح مع الحب "كيف ؟" أو حتى "لماذا ؟" لقد أحبته ومن كل قلبها , هي خريجة للجامعة الأمريكية في القاهرة , وقد سمعت عنه الكثير قبل حتى أن تأتي للعمل في شركات أبيها , كان تفوقه يصلها على هيئة دردشة الغداء بين والدها وبين عائلتها , وكان دائم المقارنة بينه وبين شقيقها الذي كان يعتبره فاشلاً كبيراً , أمنيتها في العمل بجواره جعلتها أن تطلب من والدها العمل التدرب في الشركة واختارته هو لتدريبها , وكان كما هو متوقعاً , أحبت الفتاة الشاب المتفوق , الذي كان مسار إعجاب الوالد وحقد الأخ دائماً , وعندما أبلغت والدها بهذا الحب , تحول الإعجاب إلى حقد , وظهر أخيراً شقيقها في الكادر , فبعد أن كان لا يحاول إثارة والده بكرهه للشاب المثل والناجح داخل شركته أصبح الآن فريسة سهله للانتقام , فأزاد الشقيق حقد الأب وجعل من ثورة الأب اليد القوية التي قصفت بأحلام الشاب وجعلت الأب يطرده من شركته وعندما سألته أبنته "لماذا" ؟ .. أجابها الأب بهدوء :

- يا بنتي الولد دا متسلق , وزواجه منك مجرد مرحلة بعد أن ينهيها سيرميك ويبحث عن مرحلة أخرى .. هطرده ولو طاوعتي قلبك ستخسرين الكثير أولهم قلبك أنت .

هكذا رفض الأب ولكن الشاب لم يحسبها كما حسبها الأب , وكان ما يحلم به هو الزواج منها وكان يعلم جيداً أن الأب مسير قلبه يحن على ابنته ويعود معها إلى المصنع وإلى ما افتقده من عمل ولكن عودته هذه المرة ستكون أقوى وأكبر بزواجه من ابنة الرجل الأكبر في الشركة , وكانت خطته للسفر بها إلى الصعيد ووسط زحام هذا القطار حتى لا يستطيع الوالد أن يجدهما , وبين كل هذا يقف اللص مترقباً شنطة الفتاة , التي وقفت متململة كارهه أصوات الباعة , كارهه زحام المجاورين لها , كارهه ما فعلته وشعرت بما قاله والدها رغم ترك حبيبها للعمل , تفكيرها جعلها لا تشعر بيد اللص وهي تسحب شنطة يدها , وبعد أن أكمل اللص مهمته وشعرت هي , أطلقت صرخة مكتومة تاهت وسط زحام القطار المخيفة .

***

كما في الغابة من وحوش , وكما في السينما من أشرار , هم من يقوموا بهذا الدور داخل القطار , مجموعة من البائعين , تجدهم داخل القطار , تشعر وكأنهم مالكي القطار , لا يخافون من الشرطة لأنهم ببساطة يدفعون وبسخاء لشرطة القطار , فتجدهم يحملون كل شيء ويبيعون كل شيء , وكان هذا البائع هو رئيس للباعة داخل القطار , له سلطات كثيرة على كل باعة القطار بل وعلى شرطة القطار وعلى محصلين التذاكر أنفسهم , وكان هذا المجند هو أحد ضحاياه , كل ذنبه هو العطش , كان عطشان , وكان سفره الأول داخل قطار من هذا النوع , ورغم فقره كان من "دلوع أمه" فلم تسمح له أبداً أن يعمل , كانت تعمل هي وتأتي له بالمال الذي جعله لا يفكر في العمل طوال مدة تعليمه فأخذ أحد الدبلومات الفنية , وحاول أن يعمل في الكثير من الحرف ولكن الفشل كان من نصيبه دائماً , وكان يعود لأمه باكياً , فكانت تحتضنه وتقول له بنوع من الدلال :

- حببتي طول ما في أمك نفس متزعلش .

كانت كلماتها كالسحر ينسى همه وتبدأ هي هماً جديداً وتزيد من عملها ساعة بعد ساعة , حتى وجد أخيراً عمل في مكتب اتصالات لأحد الجيران , وبعد أن بدأ يتعلم أسرار تلك المهنة , جاء ميعاد التجنيد , فكان كالمصيبة التي حلت بالأم والابن , وكان يوم رحيله هو يوم جنازته بالنسبة لأمه فودعته باكية , كان يجلس في القطار منكمشاً خائفاً , ومر أمامه البائع , حاملاً المياه الغازية , وعلب الكانز المثلجة , ومجموعة من السجائر والبسكويت , ناداه المجند , وجاء البائع , شرب الشاب كانز "بيبسي" مثلج , وأخرج ثمنه للبائع ولم يجد معه أقل من عشرون جنيهاً فأعطاها للبائع وانتظر أن يؤخذ الباقي ولكن البائع الذي كان متحفزاً للعراك قال له متحدياً :

- مفيش باقي يا دفعة .. الكانز بخمسة جنية يا روح خالتك .

حاول بعدها الشاب أن يثبت أن ما أخذه هذا البائع عشرون جنيهاً ولكن البائع كان أقوى فهجم على الشاب وأطلق يديه في ضرب هذا المسكين الذي لم يجد ما يدافع به عن نفسه إلا الصراخ والبكاء , الذي جعل الركاب يحيطونه ويدافعون عنه فلم يجد البائع إلا أن يعطيه باقي العشرون جنيه وبصوته الأجش عاد ليردد :

- حاجة ساقعة بيبس .. أشرب يا فاطر قبل وقت الصيام .. ورمضان كريم يا مسلمين .

***

وصل القطار إلي محطة "الجيزة" أخيراً ولم ينزل منه أحداً من الركاب , ولكنه زاد عدد ركابه الضعف حتى أصبح القطار كالقنبلة , وأصبح ركابه قطعة واحدة لا يستطيع شيئاً أن يفرقهم , قدرهم هذا , ومن يستطيع أن يغير القدر .

- يا الله سعادة "البيه بتاع الخارجية" بنفسه هيركب معانا قطر الفقراء .. أنا حظي من السماء يا باشا .. والله لو أعرف كنت جبت معايا كميرا واتصورت مع حضرتك .

- أشكرك من كل قلبي .. ولكن أرجوك أسكت .. أشعر بالصداع يكاد يفرتك رأسي .

- يا باشا ما هو القطر مش مقام حضرتك بردوا .

حاول أن يأخذ من الدنيا الكثير , ولكنها لا تعطي الجميع كما يريدون , نعم تفوق في دراسته , ورغم فقر والده , أتم تعليمه بتفوق كبير , حتى أنه كان من المتفوقين في الثانوية العامة على مستوى مدينته بمحافظة أسيوط , ولم يختار هو أو الوالد كلية في جامعته , ولكن كان اختياره على كلية "الاقتصاد والعلوم السياسية" وهي كلية الأغنياء كما يسمونها في بلدته , انتهى من تعليمه سريعاً وبتفوق كما هي عادته , واعتبر أن محصوله ومحصول والده قد نضجا , وليس متبقي غير الحصاد , فكان هدفه الأول هي الجامعة والتي فشل في دخولها لأن العدد كان كافياً هذا العام وكان هناك عدد غير قليل من أبناء السادة الدكاترة , لم يمل وكان تفوقه يؤهله للعمل في السلك الدبلوماسي والذي لم يقبله لظروف فقر والده , محطاته مع الفشل بدأت بعد تخرجه , ولكن الأب مازال ينتظر الحصاد , فلم يجد الابن إلا العمل في الصحافة , وحاول التدرب في الكثير من الصحف القومية , وكلما طرأ باباً وجده مرصوداً بعفريت أسمه "الواسطة" والذي لم يجد لها حلاً فانضم إلى حزب معارض , وبدأ في العمل في صحيفة يصدرها الحزب ولكن باسم مستعار , وكان هذا العمل لا يستطيع أن يجعله يتمم فيلمه الكبير الذي ألفه وقام بطولته واعتبر نفسه أحد العباقرة الذين استطاعوا أن يضحكوا على قرية كاملة , فكان في قريته "البيه بتاع الخارجية" وفي العاصمة القديمة كان مديراً لأحد فروع مصانع الحلوى القديمة بعد أن وصل إلى مصنعه هذا بعد تدخل من رئيس الحزب شخصياً بعدما علم بحكايته .

يعود الآن وفي نفس القطار الذي جاء به , رغم أن الآن الوضع قد اختلف كثيراً ولكنه عائد أخيراً واعتبرها نهاية لرحلة كذبه على والده وعلى بلدته كلها , لقد أراد أن يعود بوجهه الحقيقي بعد كل هذا الكذب طوال خمسة أعوام , خطيبته تنتظره على شوق , فزواجهما الذي استمر أكثر من أربعة أعوام سينتهي في أول أيام عيد الفطر , رفيق رحلته والذي لم يصدق وجود هذا "البيه بتاع الخارجية" في قطار الفقراء مثله , ظل الشاب يطلب منه الكثير من ألحكي عن سفرياته المتعددة لبلدان العالم المختلفة , وكان كلما طلب منه أن يحكي , سكت أكثر , إلى أن لم يجد من المواجهة بد , فصرخ في وجه الشاب قائلاً :

- أرجوك أسكت , لا أستطيع أن أسمعك وسط كل هذا الزحام .. وبعدين احكيلك إزاي وسط الزحمة دي .. دي أسرار عليا يا فتى .

رغم رغبته في المواجهة وإبطال مفعول قصته وإعلان نهاية الفيلم , إلا أن لسانه سكت ولم يستطيع البوح , وانتظر فرصة أخرى لإعلان النهاية , وراح حديثهما وسط الزحام وارتفع صوت الباعة وثرثرة امرأة في الخمسين مع أحد الرجال , وغاص هو مرة أخرى في تفاصيل فاتت من حياته , وتفاصيل أخرى ربما تأتي قريباً .

***

"النار تأكل كل شيء" هكذا تقول دائماً الحقيقة , وهكذا قالت النهاية , والتي كانت بدايتها ليست تلك الثرثرة من الركّاب , والبائعين , ومحصل التذاكر , ولكن البداية بدأت مع تلك الرائحة التي كانت ملأت جوانب القطار من بعد رحلته السريعة في محطة "الجيزة" تلك الرائحة التي احتار فيها ركّاب العربة الأخيرة فمنهم من قال بأنها ربما رائحة "الفينيك" الذي تم به غسيل القطار , وأكد آخر بأن تلك الرائحة ليست إلا "فيرس" أطلقته الحكومة على الركاب ليقضوا به على الإنجاب لدى "الصعايدة" وتطايرت الشائعات سريعاً ولكن تطايرها توقف بقوة أسرع من قوة إطلاقها , حتى أن من أطلقوها لم يستطيعوا حتى أن يوقفوها , حتى أن "أم البائعين" التي كانت تفترش دائماً مؤخرة القطار وتضع "بابور الجاز" دائماً أمامها , والسيجارة دائماً لا تترك فمها , ضحكت ضحكتها الفاجرة المليئة بالذكورة وقالت :

- الحكومة عاوزة تخليكم تحلقوا إشنبتكم , والريحة دي يا بقر هتكون سبب نهايتكم السودة بعون الله.

ضحكت وكان بداخلها خوف غريب لم تشعر به من قبل , رغم وجودها في القطار منذ زمن لا تتذكره , ورغم حب وتقدير الباعة جميعهم لها إلا أنها اليوم تشعر بغربة غريبة لم تشعر بها طوال حياتها التي لا تعرف عنها الكثير , وضعت عدتها أمامها وتضع الجردل المليء بالسكر والشاي ليذوبا معاً فوق تلك النيران , اليوم جلست هي , ووضعت كل شيء في موضعه , وبدت غير مطمئنة على غير عادتها , لم تضحك كثيراً مع من حولها من الرجال , كانت دائماً تحب هذا , وكانت تجد متعة خفية عندما تهين رجلاً له "شنب يقف عليها الصدر" كانت تعتبره تفوقاً على رجولته وعلى شنبه هذا الذي أطلقته هي وجعلته بارزاً في وجهها وبفخر تقول دائماً عن شنبها هذا :

- أنا عمري ما أخدت شنبي ولا وشي حتى بملقاط ولا حتى حلاوة .

كانت تقول هذا وتضحك ضحكة فاجرة ولكن صوتها من دخان السجائر كان يخرج مستذكراً فتبدو بشنبها وهيئتها تلك ككائن جمع بين الذكر والأنثى وجعل منها بحق أماً صالحة لهؤلاء البائعين , تلك الرحلة لم تستطيع أن تضحك أو حتى لم تحاول أن تتشاجر مع هذا أو ذاك , المياه أمامها تزداد سخونة , وحركة الناس لا تتوقف جوارها , والنيران تأكل في حبات الشاي والسكر , وسيجارتها في فمها تتآكل ببطء وينزل رمادها على جلبابها المتسخ فيزيده اتساخاً .

أصوات متعالية سمعتها , استمعت إليهم كانوا أبناءها يتعاركان سوياً , كان من قوانينها الكبرى "مفيش أخوات يتخانقوا" قامت فزعة , وأوصت أحدهم بالجلوس أمام النيران المشتعلة , تحركت ورفعت قدمها فوق بابورها ولكن قدمها لم ترتفع بالقدر الكافي فسقطت المياه المغلية على جسد الجالس أمامها فصرخ وقذف بالباور الذي سقط بدوره فأمسكت النيران بجلباب أحد الرجال , وحاول أن يطفئها ولكنه لقرب الناس من بعضهم أمسكت النيران في الكثير منهم وحاولت أم البائعين في الهروب هي الأخرى كانت تضرب بيديها الجميع وهكذا فعلوا هم , وكان اشتعال النيران أقوى من ضرباتهم , وظلت النيران المشتعلة تغرق كل ما يقابلها في بحور من اللهيب جعل من الجميع فقيرهم , وغنيهم شريفهم ولصهم , مجموعة من الهياكل أو حتى الرماد , ولم يخرج من تلك النيران المشتعلة إلا من استطاع أن يقذف من باب أو شباك , وأصبحوا جميعاً جزءاً من مانشيتات الصحف لعدة أيام , وقالت النيران كلمتها الأخيرة وأكلت كل شيء .

3 comments:

وسام فؤاد said...

داي

وسام فؤاد said...

دايما متميز يا أ. حمادة.

عرفة فاروق عبد لله said...

السلام عليكم

انا جييييييييت من جديد هرجع ادون تانى

وحشتونى ووحشنى الكلام معاكو

جيت بس اطمن وأمسى

ابقى ارجع اقرا بعدين

سلام مؤقت